تثير استراتيجية إريتريا في تعزيز شراكتها مع مصر، بالتزامن مع استمرار توتر علاقاتها مع إثيوبيا، التي تمثل أهم شركائها الاقتصاديين المحتملين، تساؤلات بشأن مدى توافق السياسة الخارجية الإريترية مع مصالح الدولة وتطلعات شعبها التنموية.

 

ويرى أبراهام أبيبي، الباحث في موقع هورن ريفيو، أن التناقض بين المسارين يكشف عن فجوة بين المصالح الوطنية الإريترية والحسابات السياسية للنظام الحاكم بقيادة أسياس أفورقي؛ إذ تعكس الشراكة مع القاهرة الأهمية الاستراتيجية للساحل الإريتري على البحر الأحمر، في حين تتيح إثيوبيا فرصًا اقتصادية وتجارية واسعة بحكم قربها الجغرافي وضخامة سوقها. غير أن النظام الإريتري يواصل التعامل مع أديس أبابا بمنطق انعدام الثقة الاستراتيجية، بدلًا من بناء علاقات اقتصادية مستدامة، ما يهدد بإطالة أمد عزلة البلاد.


وفي تحليل نشره هورن ريفيو، يناقش الكاتب أبراهام أبيبي أبعاد التقارب الإريتري المصري، وانعكاساته على العلاقات الإريترية الإثيوبية، مستعرضًا الفرص الاقتصادية التي تخسرها أسمرة نتيجة تغليب الحسابات السياسية والأمنية للنظام على متطلبات التنمية والتكامل الإقليمي.

 


التقارب الإريتري المصري.. حسابات النفوذ ومنافسة إثيوبيا
 

تتأثر العلاقات المصرية الإريترية بالمنافسة الاستراتيجية بين القاهرة وأديس أبابا، إذ لا يزال الخلاف حول مياه النيل، الذي تصاعد بفعل أزمة سد النهضة الإثيوبي، يمثل أحد أبرز مصادر التوتر بين البلدين. كما أضافت مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري بُعدًا جديدًا لهذه المنافسة، لا سيما عقب توقيعها مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال في يناير 2024.


ويمنح الموقع الجغرافي لإريتريا، المحاذية لإثيوبيا، أهمية خاصة في الحسابات المصرية؛ إذ تراهن القاهرة على أن تعزيز علاقاتها مع أسمرة يوفر لها مسارًا إضافيًا لتوسيع نفوذها الإقليمي في ظل خلافاتها مع أديس أبابا.


ويشير الكاتب إلى ضرورة تقييم المبادرات التجارية والاستثمارية والبحرية المصرية في إريتريا وفقًا لما تحققه فعليًا، لا وفقًا للوعود التي تصاحب الإعلان عنها. فمن المنظور الاستراتيجي الإثيوبي، قد تتحول هذه الإعلانات إلى استعراض سياسي يستهدف استقطاب الدعم الإريتري وتقديم مصر باعتبارها شريكًا تنمويًا، دون طرح مسار واضح وموثوق لتحقيق نمو اقتصادي يغير واقع البلاد.


ولم تقدم مصر، حتى الآن، سجلًا من المشروعات التنموية الاستراتيجية في منطقة القرن الإفريقي يتناسب مع حجم طموحاتها الدبلوماسية. وقد تراهن القاهرة على أن بناء شراكات مع الدول المجاورة لإثيوبيا سيعقد علاقات أديس أبابا الإقليمية ويوسع نطاق نفوذها الاستراتيجي. غير أن هذا التوجه يتجاهل طبيعة الاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي يميز المنطقة؛ فسوق إثيوبيا الضخم وشبكاتها التجارية وأهميتها الاقتصادية تجعلها شريكًا أساسيًا لدول الجوار.


وبالتالي، فإن الدول التي تسمح للتوافق السياسي مع مصر بالإضرار بعلاقاتها الاقتصادية مع إثيوبيا تخاطر بالتفريط في فرص تجارية كبيرة، وهو ما تعكسه حالة القطيعة الممتدة بين أسمرة وأديس أبابا.


وتكمن الخطورة، بحسب الكاتب، في أن يخلط النظام الإريتري بين الاهتمام الدبلوماسي المصري والفرص التنموية الحقيقية، بينما لا يحصل المواطنون الإريتريون سوى على الوعود بدلًا من الاستثمارات الإنتاجية وفرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.


وترتبط هذه الفجوة بين التحالفات الخارجية للنظام واحتياجات التنمية الداخلية جزئيًا بالأولويات السياسية التي حكمت إريتريا منذ استقلالها. فبعد حرب الحدود مع إثيوبيا بين عامي 1998 و2000، تشكل النظام السياسي الإريتري حول خطاب التهديدات الخارجية، والتعبئة الوطنية الممتدة، وتركيز السلطات التنفيذية في يد القيادة.


كما أسهمت الخدمة الوطنية غير محددة المدة، والقيود المفروضة على حرية التنقل وتداول المعلومات، وغياب الرقابة البرلمانية، وعدم تفعيل الدستور، في تقييد المشاركة السياسية والحياة الاقتصادية.

 


إثيوبيا وإريتريا.. فرص التكامل الاقتصادي الضائعة وتكلفة فقدان ميناء عصب


تكتسب هذه القيود الداخلية أهمية مضاعفة بالنظر إلى الفرص الاقتصادية التي يمكن أن يتيحها التعاون الإقليمي. فمكانة إثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي ترتبط بحجم اقتصادها، واحتياجاتها للربط الإقليمي، واعتمادها على الوصول المنتظم إلى التجارة البحرية.


وباعتبارها أحد أكبر الاقتصادات الحبيسة، ويزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، تسعى إثيوبيا إلى تأمين وصول مستقر إلى الموانئ، وتوسيع التجارة الإقليمية، وتعزيز روابط النقل مع الدول المجاورة.


وتتيح هذه المصالح فرصًا مهمة لإريتريا أيضًا؛ إذ يمكن أن تسهم عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين في تنشيط التجارة العابرة للحدود، وجذب الاستثمارات، وزيادة الطلب على خدمات الموانئ والخدمات اللوجستية، فضلًا عن دعم مشروعات البنية التحتية المشتركة التي تحقق مكاسب اقتصادية للطرفين.


لكن هذه الإمكانات لا تزال غير مستغلة، في حين لم يثبت التقارب الاستراتيجي المتزايد بين إريتريا ومصر، بمفرده، قدرته على تحقيق مكاسب مماثلة للاقتصاد الإريتري.


ويرجع أحد تفسيرات هذا التباين إلى التداعيات السياسية المحتملة للانفتاح الاقتصادي؛ فالتجارة الموسعة تنشئ شبكات تجارية جديدة، والاستثمارات تحتاج إلى بيئة مستقرة وقواعد يمكن التنبؤ بها، كما تتيح حركة الأفراد عبر الحدود فرصًا جديدة للاطلاع على المعلومات والتواصل مع العالم الخارجي.


ويمكن لهذه التطورات أن تعزز الاقتصاد الإريتري دون المساس بمصالحه الوطنية، لكنها قد تشكل في الوقت نفسه تحديًا لنظام سياسي يقوم على إحكام السيطرة على حركة الأفراد والمعلومات ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية. ومن ثم، يرى الكاتب أن النظام يتعامل مع الاندماج الاقتصادي باعتباره مصدرًا محتملًا للمخاطر، رغم أن البلاد نفسها تملك دوافع قوية للاستفادة منه.


ولا تقتصر التداعيات الاقتصادية لهذا التباعد على الاحتمالات النظرية، بل تكشف عنها أيضًا تجربة العلاقات الإثيوبية مع ميناء عصب، والتطور اللاحق لممر التجارة الإثيوبي عبر جيبوتي.


فقد مثّل ميناء عصب في السابق المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا، وكان يتعامل مع نحو 85% من تجارتها الخارجية في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. لكن فقدان إثيوبيا إمكانية الوصول إلى الميناء عقب انفصال إريتريا، وما أعقب ذلك من تدهور العلاقات الثنائية، غيّر بصورة جوهرية خريطة التجارة الإثيوبية.


وبعد حرب 1998-2000، تحولت حركة التجارة البحرية الإثيوبية بصورة حاسمة نحو جيبوتي، التي وسعت بنيتها التحتية للموانئ وخدمات العبور لاستيعاب الطلب الإثيوبي المتزايد.


ونتيجة لذلك، أصبح ممر أديس أبابا جيبوتي شريانًا لا غنى عنه للتجارة الخارجية الإثيوبية، إذ تمر عبره حاليًا أكثر من 95% من تجارة البلاد من الواردات والصادرات من حيث الحجم.


واستطاعت جيبوتي تحويل هذا الطلب المتزايد إلى مورد اقتصادي رئيسي، بينما فقد ميناء عصب جانبًا كبيرًا من حركة التجارة الإثيوبية التي كانت تدعم أهميته التجارية.


ومن المنظور الإثيوبي، لا تزال المكانة التاريخية لميناء عصب والظروف التي أدت إلى فقدان الوصول إليه تمثلان مسألة استراتيجية مهمة. ويمكن أن تفتح استعادة إثيوبيا وصولها البحري عبر عصب آفاقًا اقتصادية تتجاوز نشاط الميناء نفسه؛ إذ ستؤدي زيادة حركة التجارة إلى ارتفاع الطلب على خدمات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية، بما يتيح فرصًا للاستثمار والتوظيف في المنطقة بأكملها.


لكن تحقيق هذه المكاسب يتطلب تنسيقًا مشتركًا لتخطيط عمليات الموانئ والإجراءات الجمركية والبنية التحتية للنقل وأمن حركة التجارة، إلى جانب وضع ترتيبات تجارية قابلة للاستمرار وتضمن تدفقًا منتظمًا للبضائع.


وقد أتاح التقارب الذي شهدته العلاقات بين البلدين عام 2018 فرصة للبدء في تحويل الإمكانات الاقتصادية للتعاون المتجدد إلى نتائج عملية. وتعهدت الحكومتان بإعادة فتح روابط النقل والتجارة والاتصالات، ما أثار توقعات بانطلاق مرحلة أوسع من الانفتاح الاقتصادي.


لكن الزخم الأولي لم يتحول إلى تكامل اقتصادي ثنائي مستدام، كما لم تصمد إعادة فتح المعابر الحدودية طويلًا.


ويساعد اختلاف توجهات الحكومتين على تفسير هذه النتيجة؛ إذ سعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى جعل المصالحة أساسًا لسلام دائم ومنافع اقتصادية متبادلة واستقرار إقليمي، بينما بدا أن أسياس أفورقي يولي المصالح السياسية والأمنية لنظامه اهتمامًا أكبر من اهتمامه ببناء شراكة اقتصادية طويلة الأمد مع إثيوبيا.


وزاد هذا التباين وضوحًا عقب توقيع اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، الذي أنهى الحرب في شمال إثيوبيا. ومن ثم، لم يكن الإخفاق في تحويل التطبيع الدبلوماسي إلى تعاون مستدام مجرد نتيجة لقصور الترتيبات الاقتصادية، بل كشف أيضًا استمرار انعدام الثقة السياسية ومحدودية التزام القيادة الإريترية بالتكامل الإقليمي.

 


 مستقبل إريتريا.. هل تتغلب المصالح الوطنية على حسابات بقاء النظام؟


تبدو تداعيات هذا المسار كبيرة بالنسبة لإريتريا؛ فالسياسة الخارجية القائمة على الاصطفاف الاستراتيجي قد تعزز الشراكات الخارجية للنظام وتدعم حساباته الأمنية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الأسس الاقتصادية اللازمة لتحقيق التنمية الوطنية.


وتخدم المنافسة المصرية مع إثيوبيا الأهداف الإقليمية للقاهرة، بينما تتحمل إريتريا تكلفة الفرص الضائعة نتيجة تقييد علاقاتها الاقتصادية مع جارتها.


وعندما تتقدم أولويات النظام على الإمكانات الإنتاجية للبلاد، تتحول العزلة إلى دائرة مغلقة تعزز نفسها؛ إذ يؤدي ضعف التكامل الاقتصادي إلى تقليص فرص النمو، بينما تجعل التوترات السياسية والأمنية المستمرة التعاون الإقليمي أكثر صعوبة.


ولا يتمثل الخيار الإريتري، وفقًا للكاتب، في المفاضلة بين مصر وإثيوبيا فحسب، بل يكمن السؤال الأعمق في تحديد ما إذا كانت السياسة الخارجية للبلاد ستخدم الأولويات الأمنية المباشرة للنظام الحاكم والحسابات الاستراتيجية لشركائه الخارجيين، أم ستضع التنمية طويلة الأمد للدولة الإريترية وشعبها في مقدمة أولوياتها.


ويمكن لمصر أن تظل شريكًا مهمًا لإريتريا، لكن مصالحها الاستراتيجية لا تستطيع أن تحل محل الفرص الاقتصادية المتاحة من خلال الانخراط البناء مع إثيوبيا.


وتقدم تجربة جيبوتي مثالًا على القيمة الاقتصادية للاعتماد المتبادل بين الدول، بينما تكشف تجربة ميناء عصب عن تكلفة القطيعة الممتدة.


ويخلص أبراهام أبيبي إلى أن استمرار نظام أسياس أفورقي في تقديم اعتبارات بقائه السياسي على متطلبات التنمية الوطنية قد يبقي إريتريا شريكًا ذا أهمية استراتيجية بالنسبة لمصر، بينما يظل شعبها يتحمل الأعباء الاقتصادية للعزلة.
 

 

https://hornreview.org/2026/11/02/eritreas-egypt-strategy-and-the-cost-of-isolation/